عبد الملك الجويني

228

الشامل في أصول الدين

العرض بالمحل ، لكون خصصه ، وكونه نفسه . ولا سبيل إلى أن يقول : اختص الجوهر بحيز لكون ، وكونه نفسه . وجرى رضي اللّه عنه ، في ذلك على قيامه في بقاء صفات القديم . فإن من أصل أئمتنا أن الباقي باق ببقاء . ثم قيل : العلم القديم باق عندكم ، ولو بقي لافتقر إلى بقاء ، وهذا يفضي إلى قيام المعنى بالمعنى ، وإلى تسلسل القول . فإن العلم لو بقي ببقاء ، لبقي بقاءه ببقاء ، وتسلسل القول إلى غير نهاية . فقال الأئمة في الجواب عن ذلك : العلم باق ببقاء ، وبقاؤه نفسه . وهذا أصل عظيم سنوضحه في موضعه . وإنما غرضنا من الإشارة إليه التنبيه على مقصدنا في الأكوان . فلو قال قائل : إذا زعمتم أن كل عرض كون بنفسه ، فاجعلوا كل عرض باقيا ، واحكموا بأنه باق لنفسه ، كما حكمتم بأنه كون لنفسه . فالجواب عن ذلك أن نقول : لو وصفنا العرض بالبقاء لنفسه ، لجرنا إلى وصفه بالبقاء في حال حدوثه من حيث كان نفسا ، وذلك محال . وليس في تسميته كونا استحالة في أول حال الحدوث . وهذا الذي ذكره الأستاذ مما انفرد به . فإن الأصحاب إذا قيل لهم : لم اختص العرض بمحله ؟ كان لهم في ذلك جوابان قد قدمناهما في صدر الكتاب ، أحدهما : أنه اختص بمحله لقصد القاصد وتخصيص المخصص ، ولا سبيل إلى مثل ذلك في الجوهر ، فإنه يبقى ويختص بالأماكن في زمن بقائه . ولا يتعلق به قصد وتخصيص وقدرة في بقائه ، والعرض يحدث ويعدم فيتحقق تعلق القصد به . ومن أصحابنا من قال : إن العرض اختص بمحله ، لا لعلة ، بل لنفسه . فأما تقدير كون مصروف إلى نفس العرض ، فمما ارتضاه الأستاذ . فصل [ هل الكون غير الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ؟ ] قد ذكرنا حقيقة الكون ، وأوضحنا اطرادها في ضروب من الأعراض ، ثم فصلنا الأكوان وحصرناها في الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والتأليف وهو المماسة . وقد حكى الأستاذ في دقيق « الجامع » عن بعض المتأخرين من المعتزلة أن الكون يغاير الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والمماسة . وأغلب ظني أنه أراد أبا هاشم ، وهو المعنى ببعض المتأخرين في كلام الأستاذ وهم الإمام في قوله . وأغلب ظني أنه أراد أبا هاشم وليس